تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية: تواطؤ المؤسسة الرسمية الإسرائيلية وراء الفوضى المنظمة

تحليل سياسات-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تُسلط هذه الورقة الضوء على تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023، مع تحليل بيانات أوتشا وبتسيلم وهيومن رايتس ووتش وتقارير الجيش الإسرائيلي.  توضح الدراسة أن الاعتداءات ليس فوضى عفوية، بل سياسة رسمية تتضمن تواطؤ الجيش والحكومة الإسرائيلية لدعم المستوطنين المتطرفين، بما يشمل هجمات “جباية الثمن”، النزوح القسري، وتدمير الممتلكات الفلسطينية، ويبرز التحليل البعد السياسي والقانوني، حيث يشكل هذا العنف انتهاكاً لاتفاقيات جنيف الرابعة وأداة للضم الفعلي لمناطق “ج”، وتتضمن الورقة أمثلة ميدانية واقعية تظهر أثر الاعتداءات على الفلسطينيين واستقرارهم الاقتصادي والاجتماعي، كما تستعرض السيناريوهات المستقبلية، من الإهمال المستمر إلى تدخل دولي فعال، وتُختتم الورقة بتوصيات عملية لحماية التجمعات الفلسطينية وملاحقة المسؤولين أمام المحاكم الدولية، مع دعوة لضغط دولي وشبه أممي لوقف التصعيد.

مقدمــــة

منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، شهدت الضفة الغربية تصاعداً حاداً في هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين، ترافق مع تدمير منظم للممتلكات الزراعية وتهجير مئات الأسر من منازلها.

 ليس مجرد فوضى عشوائية، بل يبدو العنف جزءاً من استراتيجية أوسع تتجاوز حدود “المتطرفين”، حيث تتداخل أيدي الجماعات المسلحة مع الجيش والسياسات الحكومية، في مشهد يعكس تواطؤاً مؤسسياً يغيّر الواقع الديموغرافي ويعقد فرص التوصل لأي تسويات مأمولة.

تُعد ظاهرة عنف المستوطنين أحد أبرز مظاهر الاحتلال الاستيطاني في الضفة الغربية، وقد ازداد حدتها منذ الحرب على غزة، لتصبح تهديداً مباشراً للوجود الفلسطيني في مناطق واسعة، خاصة في مناطق “ج” ووادي الأردن.

وتسعى هذه الورقة للإجابة على السؤال المركزي: هل يشكل هذا العنف مجرد “فوضى منظمة” يديرها متطرفون خارج السيطرة، أم سياسة رسمية مدعومة من الحكومة الإسرائيلية وجيش الاحتلال؟

يعتمد التحليل على بيانات موثوقة من الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، ومنظمات حقوقية مثل بتسيلم وهيومن رايتس ووتش، وتقارير الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى شهادات ميدانية فلسطينية، لتقديم رؤية شاملة للبعد السياسي، القانوني، والأمني للظاهرة.

من خلال هذه المعطيات، تسعى الورقة لتوثيق التواطؤ المؤسسي بين المستوطنين والجيش، وتحليل أثر العنف على الاستقرار الفلسطيني، مع إبراز السيناريوهات المستقبلية المحتملة والتوصيات العملية لمعالجتها.

أولاً: حجم الظاهرة وإحصاءاتها — من أحداث متفرقة إلى نمط منهجي

تشير البيانات التراكمية الصادرة عن منظمات دولية وحقوقية، إضافة إلى معطيات مؤسسات الاحتلال نفسها، إلى تحوّل عنف المستوطنين في الضفة الغربية من حوادث متفرقة إلى ظاهرة متصاعدة ذات نمط منهجي واضح منذ عام 2023، بالتزامن مع التحولات السياسية والأمنية التي أعقبت الحرب على قطاع غزة.

  1. تصاعد كمي مستمر للاعتداءات

تكشف الإحصاءات السنوية عن منحنى تصاعدي ثابت في حجم الاعتداءات ومستوى خطورتها:

عدد الضحايا الفلسطينيينالاعتداءات الشديدةعدد الاعتداءات الموثقةالسنة
1028512912023
1148814492024
16712818282025

وتُظهر هذه الأرقام ثلاث دلالات رئيسية:

  • ارتفاع تراكمي مستمر بنسبة تقارب 41% خلال ثلاث سنوات.
  • تضاعف مستوى العنف النوعي، إذ ارتفعت الاعتداءات الشديدة (إطلاق نار، حرق، اعتداءات مسلحة) بأكثر من 50% .
  • انتقال الاعتداءات من التخريب المادي إلى استهداف مباشر للحياة البشرية.

ولا تقتصر هذه المعطيات على مصادر فلسطينية أو دولية؛ إذ تشير تقارير الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” إلى تسجيل 867  حادثة عنف للمستوطنين خلال عام 2025، بزيادة قدرها 27% عن العام الذي سبقه، منها 128 حادثة مصنفة “شديدة”، وهو ما يعزز موثوقية الاتجاه التصاعدي للظاهرة حتى وفق الرواية الرسمية الإسرائيلية.

2. النزوح القسري كمؤشر على تغير وظيفة العنف

الأثر الأبرز لهذا التصاعد لا يتمثل فقط في عدد الاعتداءات، بل في نتائجه الديموغرافية المباشرة.
فقد بلغ عدد الفلسطينيين الذين تعرضوا للنزوح القسري  4765 شخصاً (883 أسرة) منذ كانون الثاني/يناير 2023 حتى منتصف شباط/فبراير 2026.

وتشير البيانات إلى أن أكثر من 90% من حالات النزوح تركزت في منطقة وادي الأردن، ما يعكس نمطاً جغرافياً غير عشوائي، يرتبط بمناطق مصنفة ضمن “المنطقة ج” ذات الأهمية الاستراتيجية للمشروع الاستيطاني.

هذا التركز المكاني يشير إلى أن العنف يؤدي وظيفة تتجاوز الردع أو الانتقام، ليصبح أداة ضغط مستمرة تدفع المجتمعات الرعوية والزراعية إلى الإخلاء التدريجي.

3. أمثلة ميدانية: العنف كآلية تهجير عملي

تعكس الوقائع الميدانية كيفية ترجمة الأرقام إلى واقع يومي:

كانون الثاني/يناير 2026 – تجمع رأس عين العوجا (غور الأردن):

نزح نحو 600 فلسطيني عقب هجوم مسلح شمل إطلاق نار، حرق محاصيل زراعية، وقطع طرق الوصول إلى مصادر المياه، ما جعل البقاء في المنطقة غير ممكن اقتصادياً وأمنياً.

اللافت أن الاعتداء استمر لساعات دون إجراءات ردع فعالة، الأمر الذي دفع العائلات إلى المغادرة خوفاً من تكرار الهجمات.

الفترة 3–16 شباط/فبراير 2026:

تم تسجيل 86 اعتداءً في مناطق متفرقة من الضفة الغربية، أسفرت عن إصابة 59 فلسطينياً ونزوح 146 شخصاً، وهو معدل مرتفع زمنياً يعكس تسارع وتيرة الاعتداءات ضمن فترة قصيرة.

هذه الوقائع تشير إلى نمط متكرر يقوم على:

(الاعتداء، استنزاف سبل العيش، خلق بيئة طاردة للسكان، ثم حدوث النزوح دون أوامر تهجير رسمية)

4.  الدلالة التحليلية: من التصاعد الإحصائي إلى الفرضية السياسية

عند قراءة المؤشرات الكمية والميدانية مجتمعة، تظهر ثلاث خلاصات تحليلية أساسية:

  • التصاعد ليس ظرفياً بل اتجاه طويل المدى.
  • التركز الجغرافي يدل على انتقائية استراتيجية في استهداف مناطق محددة.
  • النتيجة النهائية المتكررة هي إخلاء فلسطيني فعلي للأرض.

وبذلك، لا تبدو الاعتداءات مجرد سلوك فردي لمستوطنين متطرفين، بل جزءاً من دينامية ميدانية تنتج واقعاً ديموغرافياً يخدم التوسع الاستيطاني، وهو ما يمهد للبحث في القسم التالي حول طبيعة العلاقة بين الجماعات الاستيطانية ومؤسسات الدولة.

ثانياً: الجماعات الاستيطانية المسلحة — الفاعل غير الرسمي داخل منظومة السيطرة

لا يمكن فهم تصاعد عنف المستوطنين بوصفه سلوكاً فردياً أو انفلاتاً أمنياً معزولاً، إذ تشير المعطيات الميدانية إلى بروز جماعات استيطانية منظمة تؤدي دوراً مركزياً في تنفيذ العنف على الأرض، وفي مقدمتها جماعات تُعرف باسم شبيبة التلال، التي تمثل النواة الأيديولوجية والعملياتية الأكثر تطرفاً داخل الحركة الاستيطانية.

  1. البنية الأيديولوجية والتنظيمية

تنتمي هذه الجماعات فكرياً إلى التيار الكاهاني المتطرف، المستلهم من أفكار الحاخام مئير كاهانا، والتي تقوم على رفض الوجود الفلسطيني في “أرض إسرائيل” والدعوة إلى فرض واقع ديموغرافي يهودي بالقوة.

وتشير تقديرات بحثية وأمنية إلى أن عدد عناصر هذه المجموعات يبلغ نحو 800 ناشط، يقيم معظمهم في بؤر استيطانية عشوائية أُنشئت دون ترخيص رسمي، لكنها تحظى عملياً بالحماية الأمنية والبنية التحتية الأساسية.

وتتميز هذه الجماعات بعدة خصائص تجعلها فاعلاً مؤثراً ميدانياً:

  • بنية تنظيمية مرنة وغير هرمية، تصعّب الملاحقة القانونية.
  • انتشار في بؤر رعوية وزراعية استراتيجية.
  • قدرة على التحرك السريع وتنفيذ هجمات قصيرة المدى.
  • اندماج اجتماعي مع المستوطنات الرسمية المحيطة.

2. “جباية الثمن”: العنف كأداة ردع وتهجير

تعتمد هذه الجماعات ما يُعرف بسياسة جباية الثمن، وهي نمط من الهجمات العقابية يستهدف القرى والتجمعات الفلسطينية عقب أي حدث سياسي أو أمني، أو بهدف فرض وقائع ميدانية جديدة.

وتشمل هذه الاعتداءات عادة:

  • حرق المحاصيل الزراعية، خصوصاً أشجار الزيتون.
  • سرقة الماشية وإتلاف مصادر الرزق.
  • الاعتداء الجسدي وإطلاق النار.
  • تخريب شبكات المياه والطرق الزراعية.

ولا تهدف هذه العمليات فقط إلى إلحاق الضرر المباشر، بل إلى خلق بيئة معيشية غير قابلة للاستمرار تدفع السكان إلى المغادرة طوعاً تحت ضغط الخوف والخسارة الاقتصادية.

3.  أمثلة ميدانية دالة على نمط العمل

تعكس الوقائع الموثقة خلال عام 2025 كيفية تطبيق هذا النموذج عملياً:

تشرين الثاني/نوفمبر 2025 – قرية الناقة:

أقدم مستوطنون من بؤرة “جبل أبو غنيم” على حرق نحو 500 شجرة زيتون، في اعتداء استهدف مصدر الدخل الأساسي لعدد من العائلات الزراعية، ما ألحق خسائر اقتصادية طويلة الأمد تتجاوز أثر الحدث المباشر.

كانون الأول/ديسمبر 2025 – تجمع عين الحلوة (الأغوار الشمالية):

نفذت مجموعة مسلحة عملية سرقة للماشية وإتلاف مصادر المياه، باستخدام أسلحة بعضها مرخص رسمياً، الأمر الذي أدى إلى تقويض القدرة المعيشية للسكان ودفع عدد من الأسر إلى مغادرة المنطقة مؤقتاً.

تشير هذه الحوادث إلى أن الاعتداءات لا تقتصر على العنف المباشر، بل تستهدف البنية الاقتصادية للحياة الفلسطينية باعتبارها الحلقة الأضعف في استقرار المجتمعات الريفية.

4.  الدلالة التحليلية: الجماعات كـ”مقاول ميداني للعنف

عند تحليل نمط انتشار هذه الجماعات وطبيعة عملياتها، يظهر أنها تؤدي وظيفة تتجاوز التطرف الأيديولوجي الفردي، ويمكن فهمها باعتبارها:

  • فاعلاً غير رسمي يخلق واقعاً ضاغطاً دون إصدار قرارات حكومية علنية.
  • أداة منخفضة التكلفة السياسية لتنفيذ تغييرات ديموغرافية تدريجية.
  • حلقة وسيطة تفصل بين الدولة ونتائج العنف المباشرة.

وبذلك، تعمل هذه الجماعات عملياً كـ مقاول ميداني للعنف ينجز أهدافاً تتقاطع مع التوسع الاستيطاني، مع الحفاظ على هامش إنكار رسمي يسمح للمؤسسات الإسرائيلية بتجنب المسؤولية المباشرة.

ويمهّد هذا التحليل للانتقال إلى السؤال المركزي في الورقة:

هل يقتصر دور الحكومة الإسرائيلية على العجز عن ضبط هذه الجماعات، أم أن أنماط الحماية والتنسيق الميداني تشير إلى مستوى أعمق من التواطؤ المؤسسي؟

ثالثاً: العلاقة بين الجيش والمستوطنين — من غضّ الطرف إلى الشراكة الوظيفية

تكشف المعطيات الميدانية والتقارير الحقوقية المتقاطعة أن دور الجيش الإسرائيلي في سياق عنف المستوطنين تجاوز مرحلة التقاعس أو الإهمال الأمني، ليتحول تدريجياً إلى نمط من التكامل العملياتي بين القوات العسكرية والجماعات الاستيطانية المسلحة.

ولا يظهر هذا التحول من خلال حادثة منفردة، بل عبر أنماط متكررة من السلوك الميداني تشير إلى اندماج متزايد بين العنف الرسمي والعنف الأهلي الاستيطاني.

  1. وحدات “الحاغمار”: عسكرة المستوطنين ضمن إطار رسمي

بعد أحداث تشرين الأول/أكتوبر 2023، جرى توسيع وتفعيل وحدات ما يسمى الحاغمار” (الدفاع الإقليمي)، وهي وحدات أمنية محلية تعمل ضمن المنظومة العسكرية الإسرائيلية، لكنها تتكون عملياً من مستوطنين مسلحين يجري تجنيدهم وتسليحهم وتمويلهم من قبل الدولة.

ورغم تقديم هذه الوحدات رسمياً باعتبارها آلية دفاعية لحماية المستوطنات، فإن طبيعة انتشارها وأدوارها الميدانية تشير إلى وظائف أوسع، أبرزها:

  • المشاركة في عمليات السيطرة على المناطق الريفية المحيطة بالمستوطنات.
  • فرض قيود حركة على الفلسطينيين خارج الأطر العسكرية التقليدية.
  • التدخل المباشر في احتكاكات مع السكان الفلسطينيين.

هذا الترتيب يخلق نموذجاً أمنياً هجيناً، حيث يصبح المستوطن في الوقت نفسه مدنياً وفاعلاً عسكرياً شبه رسمي، ما يطمس الحدود القانونية بين الجيش والجماعات الاستيطانية.

2. شهادات من الداخل: توصيف الوحدات كميليشيات ميدانية

قدّم جنود إسرائيليون سابقون في منظمة كسر الصمت شهادات تصف وحدات الحاغمار بأنها تعمل أحياناً كـ”ميليشيات مسلحة” ذات هامش واسع من الحرية الميدانية، حيث تصل إلى مواقع الاحتكاك قبل القوات النظامية أو بالتوازي معها.

وتشير هذه الشهادات إلى أن بعض العناصر شاركت في:

  • اقتحام تجمعات فلسطينية.
  • الاعتداء على ممتلكات مدنية.
  • استخدام “القوة المفرطة” دون مساءلة واضحة.

وتكتسب هذه الشهادات أهمية تحليلية لأنها صادرة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، ما يعزز فرضية أن الظاهرة ليست مجرد رواية فلسطينية أو حقوقية خارجية.

3.  أنماط التواكب العملياتي بين الجيش والمستوطنين

تظهر الوقائع الميدانية نمطاً متكرراً يتمثل في حضور الجيش أثناء اعتداءات المستوطنين دون منعها، أو مشاركته في إجراءات تكمّل نتائج تلك الاعتداءات.

ومن أبرز هذه الأنماط:

  • مرافقة قوات الجيش للمستوطنين أثناء شق طرق استيطانية أو هدم طرق زراعية فلسطينية.
  • توفير الحماية الأمنية أثناء تخريب شبكات المياه أو مصادرة الأراضي.
  • عدم التدخل لوقف الاعتداءات رغم وجود القوات في الموقع.

هذا التواكب الزمني والعملياتي يجعل من الصعب الفصل بين الفاعلين، حيث يتحول العنف إلى عملية مركبة ذات مستويين: مدني استيطاني وعسكري رسمي.

4. مثال ميداني دال: وادي الأردن كنموذج تطبيقي

في منطقة وادي الأردن، وثّقت تقارير ميدانية قيام مستوطنين، بدعم مباشر من عناصر مرتبطة بوحدات الحاغمار، بهدم أكشاك زراعية تعود لمزارعين فلسطينيين والاعتداء على السكان خلال عمليات إخلاء قسرية غير معلنة.

ورغم وجود قوات الجيش في الموقع، لم تُسجل أي إجراءات لوقف الاعتداء أو حماية المدنيين، كما لم تُفتح تحقيقات لاحقة، ما عزز شعور السكان بأن القوة العسكرية تؤدي دور الحماية للمعتدين لا للمواطنين الواقعين تحت الاحتلال.

ويمثل هذا النموذج مثالاً واضحاً على انتقال العلاقة من التسامح مع العنف إلى توفير بيئة تشغيلية تسمح باستمراره.

5. الدلالة التحليلية: اندماج العنف الرسمي وغير الرسمي

تشير مجمل المؤشرات السابقة إلى ظهور نمط يمكن وصفه بـ اندماج العنف الرسمي وغير الرسمي، حيث:

  • ينفذ المستوطنون الاعتداءات الأولية.
  • يوفر الجيش الغطاء الأمني أو الإجرائي.
  • تتحقق النتيجة السياسية المتمثلة في إفراغ المناطق الفلسطينية تدريجياً.

وبهذا المعنى، لا يصبح عنف المستوطنين بديلاً عن سياسة الدولة، بل أحد أدواتها التنفيذية منخفضة التكلفة السياسية، بما يسمح بإحداث تغييرات ديموغرافية دون إعلان قرارات ضم رسمية.

ويؤسس هذا الواقع للاستنتاج المركزي للورقة: أن العلاقة بين الجيش والمستوطنين لم تعد علاقة ضبط أمني، بل علاقة تكامل وظيفي ضمن استراتيجية ميدانية أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا في الضفة الغربية.

رابعاً: البعد السياسي والقانوني — من العنف الميداني إلى سياسة حكومية

لا يمكن تفسير تصاعد عنف المستوطنين بمعزل عن السياق السياسي والقانوني الذي تشكّل في الكيان الإسرائيلي منذ عام 2023، حيث تزامن التوسع في الاعتداءات الميدانية مع تحولات عميقة في بنية صنع القرار الحكومي، وفي طبيعة السياسات المطبقة في الضفة الغربية، خصوصاً في مناطق “ج”.

وتشير القراءة المتقاطعة للخطاب السياسي، والممارسات القانونية، وأنماط إنفاذ القانون، إلى أن العنف الاستيطاني لم يعد ظاهرة هامشية، بل أصبح جزءاً من بيئة سياسية وقانونية تسمح به وتستفيد من نتائجه.

  1. السياق الحكومي: صعود التيار الاستيطاني إلى مركز القرار

تُوصَف الحكومة الإسرائيلية الحالية بأنها الأكثر تمثيلاً للتيار الاستيطاني الديني-القومي منذ عقود، حيث يشغل قادة مرتبطون بالحركة الاستيطانية مواقع مركزية في إدارة ملفات الضفة الغربية.

وقد منح هذا التحول السياسي نفوذاً غير مسبوق لوزراء يتبنون علناً مشاريع توسيع الاستيطان وفرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، الأمر الذي انعكس في:

  • تسريع شرعنة البؤر الاستيطانية القائمة.
  • توسيع صلاحيات الإدارة المدنية في مصادرة الأراضي.
  • زيادة تسليح المستوطنين تحت مبررات أمنية.

وبذلك انتقل المشروع الاستيطاني من كونه سياسة تدريجية إلى برنامج حكومي معلن جزئياً ومطبق عملياً.

2.  الإفلات من العقاب كسياسة إنفاذ انتقائي للقانون

أحد أبرز المؤشرات على البعد المؤسسي للعنف يتمثل في نمط إنفاذ القانون، حيث تظهر البيانات الحقوقية انخفاضاً ملحوظاً في التحقيقات الفعلية ضد المستوطنين المتورطين في اعتداءات موثقة.

ويتجلى ذلك في:

  • فتح عدد محدود من التحقيقات مقارنة بحجم الاعتداءات.
  • إغلاق ملفات بدعوى “عدم كفاية الأدلة”.
  • ندرة لوائح الاتهام والأحكام القضائية.

ولا يُفهم هذا النمط فقط بوصفه ضعفاً مؤسسياً، بل باعتباره إنفاذاً انتقائياً للقانون يخلق بيئة ردع معكوسة: الفلسطينيون يفقدون الحماية القانونية، بينما يدرك المعتدون انخفاض احتمالات المساءلة.

3.  التكييف القانوني الدولي: مسؤولية قوة الاحتلال

وفق القانون الدولي الإنساني، وبخاصة اتفاقية جنيف الرابعة، تتحمل قوة الاحتلال مسؤولية حماية السكان المدنيين الواقعين تحت سيطرتها، ومنع أي اعتداءات ضدهم، سواء صدرت عن قواتها النظامية أو عن أطراف مدنية خاضعة لسيطرتها الفعلية.

وبناءً على ذلك، فإن:

  • عدم منع الاعتداءات المتكررة،
  • أو توفير الحماية غير المباشرة لمرتكبيها،
  • أو الامتناع عن ملاحقتهم قانونياً،

يمكن أن يندرج ضمن الإخلال بالتزامات قوة الاحتلال، وقد يرقى — وفق تكييفات قانونية دولية — إلى مستوى جرائم حرب محتملة عندما يرتبط العنف بتهجير قسري أو مصادرة ممنهجة للأراضي.

4. العنف كأداة للضم الفعلي

تشير الوقائع الميدانية والسياسات الحكومية إلى تلاقي نتائج العنف الاستيطاني مع أهداف سياسية أوسع تتمثل في إعادة تشكيل السيطرة على مناطق “ج”.

فمن خلال:

  • تهجير التجمعات الرعوية والزراعية.
  • توسيع البؤر الاستيطانية وربطها ببنية تحتية دائمة.
  • إعلان مساحات واسعة كـ”أراضي دولة”.

يتشكل واقع جغرافي جديد دون إعلان ضم رسمي، وهو ما يمكن وصفه بـ الضم الفعلي التدريجي.

وفي هذا السياق، يؤدي عنف المستوطنين وظيفة عملية تتمثل في تسريع إخلاء المناطق الفلسطينية منخفضة الحماية السياسية، بما يمهّد لاحقاً لإضفاء طابع قانوني أو إداري دائم على السيطرة الإسرائيلية.

5. الدلالة التحليلية: البيئة القانونية كعامل تمكين للعنف

لا تشير المعطيات إلى وجود قرار حكومي مباشر يأمر بالعنف، بل إلى ما هو أكثر تأثيراً: بنية سياسية وقانونية تمكّن العنف وتستفيد من نتائجه.

وبذلك يصبح العنف الاستيطاني:

  • أداة ميدانية غير رسمية،
  • تعمل داخل إطار سياسي داعم،
  • وتحظى بحماية قانونية غير مباشرة عبر غياب المساءلة.

وهذا الترابط بين القرار السياسي، والسلوك العسكري، والعنف الأهلي، يعزز الفرضية المركزية للورقة بأن ما يجري في الضفة الغربية ليس فوضى أمنية، بل آلية متعددة المستويات لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي تحت مظلة الدولة.

خامساً: تأثير العنف على الاستقرار — إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني في الضفة الغربية

لا تقتصر آثار عنف المستوطنين على الخسائر البشرية أو المادية المباشرة، بل تمتد لتحدث تحولات عميقة في بنية الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في الضفة الغربية، وتشير المعطيات الميدانية إلى أن العنف يعمل كآلية ضغط تراكمية تُعيد تشكيل أنماط الوجود الفلسطيني، خاصة في المناطق الريفية ومناطق “ج”.

  1. النزوح القسري وإعادة توزيع السكان

أدى تصاعد الاعتداءات إلى تسارع ظاهرة النزوح القسري، حيث أصبحت عشرات التجمعات الرعوية والزراعية غير قادرة على الحفاظ على استمرارية الحياة اليومية.

وتشير التقديرات إلى أن نحو  97 تجمعاً رعويًا باتت مهددة بالتهجير نتيجة:

  • الاعتداءات المسلحة المتكررة،
  • تقييد الوصول إلى المراعي،
  • تخريب مصادر المياه والبنية الأساسية.

ويمثل هذا النمط شكلاً من التهجير البطيء، إذ لا يحدث عبر أوامر إخلاء رسمية، بل من خلال خلق ظروف معيشية تجعل البقاء غير ممكن عملياً.

2.  التدمير الاقتصادي كوسيلة ضغط استراتيجية

يركز العنف الاستيطاني بصورة لافتة على مصادر الدخل الأساسية للفلسطينيين في المناطق الريفية، ما يشير إلى استهداف مقصود للاستقرار الاقتصادي لا مجرد أعمال تخريب عشوائية.

ومن أبرز مظاهر ذلك:

  • حرق آلاف أشجار الزيتون، التي تمثل استثماراً زراعياً طويل الأمد ورمزاً للاستقرار المكاني.
  • سرقة الماشية أو منع الرعي، ما يضرب الاقتصاد الرعوي مباشرة.
  • قطع شبكات المياه والطرق الزراعية، بما يرفع تكلفة البقاء في الأرض.

ويؤدي هذا النمط إلى تحويل المجتمعات المحلية من وحدات إنتاجية مستقرة إلى تجمعات هشّة تعتمد على المساعدات الإنسانية، وهو تحول يحمل آثاراً طويلة المدى على القدرة المجتمعية على الصمود.

3.  التداعيات الأمنية وإضعاف الحوكمة الفلسطينية

يساهم استمرار الاعتداءات دون مساءلة في خلق بيئة أمنية متوترة، تتسم بـ:

  • تصاعد الاحتكاك اليومي بين السكان الفلسطينيين والمستوطنين.
  • تآكل الثقة بقدرة المؤسسات الرسمية الفلسطينية على توفير الحماية.
  • زيادة احتمالات الانفجار الأمني المحلي نتيجة الشعور بانعدام العدالة.

وفي هذا السياق، يصبح العنف عاملاً مزدوج التأثير: فهو يضغط على المجتمعات الفلسطينية من جهة، ويقوّض قدرة السلطة الفلسطينية على الحفاظ على الاستقرار من جهة أخرى، ما يعمق حالة الفراغ الأمني في المناطق المتضررة.

4. تقويض أفق التسوية السياسية

يؤدي التوسع الاستيطاني المدعوم بالعنف إلى فرض واقع جغرافي جديد يجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر تعقيداً.

فمع إخلاء التجمعات الفلسطينية وتوسّع البؤر الاستيطانية:

  • تتقلص المساحات المتصلة جغرافياً القابلة لإقامة كيان فلسطيني متماسك.
  • تتحول المستوطنات إلى حقائق ميدانية يصعب التراجع عنها سياسياً.
  • يصبح “الوضع القائم” أساساً لأي مفاوضات مستقبلية.

وبذلك لا يقتصر تأثير العنف على الحاضر، بل يعيد رسم شروط الحل السياسي نفسه.

5. مثال ميداني: غور الأردن كنموذج للتحول البنيوي

في منطقة غور الأردن، اضطرت آلاف العائلات خلال السنوات الأخيرة إلى مغادرة مساكنها أو تقليص وجودها الدائم نتيجة هجمات مسلحة متكررة استهدفت القرى والأراضي الزراعية ومصادر المياه.

وقد أدى ذلك إلى:

  • فقدان مصادر الرزق الأساسية المرتبطة بالزراعة والرعي،
  • تفكك الشبكات الاجتماعية التقليدية،
  • انتقال بعض العائلات إلى أطراف المدن بحثاً عن الأمان والعمل.

ويمثل هذا التحول مثالاً واضحاً على كيفية انتقال العنف من حدث أمني مؤقت إلى عامل يعيد تشكيل البنية الاجتماعية والجغرافية للمنطقة.

6. الدلالة التحليلية: الاستقرار كهدف غير مباشر للعنف

تشير مجمل هذه المؤشرات إلى أن تأثير العنف لا يتمثل فقط في إلحاق الضرر بالفلسطينيين، بل في إضعاف شروط الاستقرار اللازمة لاستمرار وجودهم في مناطق استراتيجية.

وبذلك يصبح العنف الاستيطاني جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى:

  • تقليص الحضور الفلسطيني في مناطق “ج”،
  • تعزيز السيطرة الاستيطانية دون خطوات ضم رسمية،
  • إعادة تشكيل التوازن الديموغرافي تدريجياً.

وهو ما يعزز الاستنتاج المركزي للورقة بأن العنف لا يمثل نتيجة جانبية للصراع، بل أداة تؤدي وظيفة سياسية وجغرافية محددة ضمن سياق أوسع من إعادة هندسة الواقع في الضفة الغربية.

سادساً: السيناريوهات المستقبلية — مسارات تطور العنف الاستيطاني

استناداً إلى الاتجاهات الميدانية والسياسية والقانونية التي جرى تحليلها في الأقسام السابقة، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية محتملة لتطور ظاهرة عنف المستوطنين في الضفة الغربية خلال المدى القريب والمتوسط.

ولا تمثل هذه السيناريوهات توقعات حتمية، بل نماذج تحليلية تعتمد على تفاعل ثلاثة عوامل رئيسية:

 الموقف الحكومي الإسرائيلي، ومستوى الضغط الدولي، وقدرة الفلسطينيين على الصمود المؤسسي والمجتمعي.

السيناريو الأول: الاستمرار المنضبط للتصعيد (الإهمال المستمر)

المحركات الرئيسية

  • استمرار الحكومة الإسرائيلية الحالية أو سياسات مشابهة لها.
  • غياب ضغط دولي فعال يتجاوز بيانات الإدانة.
  • استمرار الإفلات من العقاب داخل منظومة إنفاذ القانون الإسرائيلية.

المسار المتوقع

يستمر العنف بوتيرة متصاعدة ولكن غير انفجارية، بحيث يحافظ على مستوى ضغط دائم يدفع التجمعات الفلسطينية الهشة إلى النزوح التدريجي دون إثارة أزمة دولية كبرى.

النتائج المحتملة

  • نزوح عشرات الآلاف من مناطق “ج” خلال سنوات قليلة.
  • توسع البؤر الاستيطانية وتحولها إلى مستوطنات دائمة.
  • تكريس واقع الضم الفعلي دون إعلان رسمي.

المؤشرات المبكرة

  • زيادة تسليح المستوطنين.
  • استمرار انخفاض لوائح الاتهام ضد المعتدين.
  • ارتفاع معدلات إخلاء التجمعات الرعوية.

ويمثل هذا السيناريو الامتداد الطبيعي للاتجاهات الحالية، ما يجعله الأكثر ترجيحاً في المدى القريب.

السيناريو الثاني: الاحتواء عبر الضغط الدولي الجزئي

المحركات الرئيسية

  • فرض عقوبات محدودة على أفراد أو جماعات استيطانية.
  • ضغوط دبلوماسية غربية مرتبطة بالاستقرار الإقليمي.
  • خشية الحكومة الإسرائيلية من تدهور صورتها الدولية دون تغيير استراتيجي في السياسات.

المسار المتوقع

ينخفض مستوى العنف مؤقتاً نتيجة القيود السياسية والإعلامية، مع انتقال بعض الأنشطة إلى أنماط أقل ظهوراً وأكثر تدرجاً.

النتائج المحتملة

  • تراجع نسبي في الاعتداءات العلنية.
  • استمرار التوسع الاستيطاني بوسائل إدارية وقانونية بديلة.
  • الحفاظ على الاتجاه العام للضم التدريجي وإن بوتيرة أبطأ.

المؤشرات المبكرة

  • فرض عقوبات فردية إضافية.
  • تصريحات حكومية إسرائيلية حول “ضبط المتطرفين”.
  • انخفاض مؤقت في الهجمات عالية العنف.

يشير هذا السيناريو إلى إدارة الأزمة لا حلها، حيث يتم تخفيض مستوى التوتر دون معالجة جذوره البنيوية.

السيناريو الثالث: تدخل دولي ضاغط ومواجهة قانونية شاملة

المحركات الرئيسية

  • تصاعد المساءلة القانونية الدولية، خاصة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
  • توسع العقوبات لتشمل مؤسسات أو مسؤولين رسميين.
  • تزايد الضغوط متعددة الأطراف المرتبطة بالاستقرار الإقليمي وحقوق الإنسان.

المسار المتوقع

تضطر الحكومة الإسرائيلية إلى تشديد إنفاذ القانون ضد اعتداءات المستوطنين وتقييد نشاط الجماعات المسلحة لتقليل الكلفة السياسية والقانونية الدولية.

النتائج المحتملة

  • انخفاض ملموس في الاعتداءات المنظمة.
  • تعزيز الحماية الأمنية لبعض التجمعات الفلسطينية.
  • إعادة الفصل النسبي بين الجيش والجماعات الاستيطانية.

المؤشرات المبكرة

  • فتح تحقيقات دولية متقدمة.
  • تغييرات في قواعد الاشتباك العسكرية.
  • زيادة الاعتقالات أو المحاكمات بحق مستوطنين متورطين.

رغم أن هذا السيناريو الأقل احتمالاً حالياً، إلا أنه يبقى ممكناً في حال تغير البيئة الدولية أو تصاعد الكلفة السياسية للعنف.

الدلالة التحليلية العامة

تكشف السيناريوهات الثلاثة أن مستقبل العنف الاستيطاني لا يعتمد فقط على الديناميات المحلية، بل على مستوى المساءلة الدولية وحدود الكلفة السياسية التي تواجهها الحكومة الإسرائيلية.

وفي ظل المعطيات الحالية، يبدو المسار الأقرب هو استمرار التصعيد المنضبط، حيث يحقق العنف أهدافاً جغرافية وديموغرافية تدريجية دون الوصول إلى مستوى أزمة دولية حاسمة.

وبذلك تعزز القراءة الاستشرافية الاستنتاج المركزي للورقة: أن العنف الاستيطاني يعمل كأداة ديناميكية لإعادة تشكيل الواقع في الضفة الغربية، تتغير شدتها وفق مستوى الضغط الخارجي، لكنها تبقى مرتبطة ببنية سياسية ومؤسسية تسمح باستمرارها.

الخلاصــــة

تكشف المعطيات الميدانية، والأنماط العملياتية، والسياق السياسي والقانوني الذي جرى تحليله في هذه الورقة، أن تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية لا يمكن فهمه بوصفه ظاهرة فوضوية أو انحرافاً سلوكياً لجماعات متطرفة معزولة، بل باعتباره جزءاً من منظومة أوسع تتداخل فيها أدوار الفاعلين المستوطنين والعسكريين والسياسيين ضمن بيئة مؤسسية تسمح بالعنف وتستفيد من نتائجه.

فالتزايد المستمر في الاعتداءات، واتساع نطاق النزوح القسري، واندماج المستوطنين في ترتيبات أمنية شبه رسمية، إلى جانب أنماط الإفلات شبه الكامل من المساءلة القانونية، تشكل جميعها مؤشرات متراكمة على انتقال العنف من مستوى المبادرات الفردية إلى مستوى الأداة الوظيفية داخل إدارة الصراع على الأرض. وفي هذا السياق، لا يظهر الجيش الإسرائيلي كطرف محايد أخفق في ضبط العنف، بل كفاعل يساهم — عبر الحماية أو المرافقة أو الامتناع عن التدخل — في توفير البيئة التشغيلية التي تجعل هذا العنف ممكناً ومستداماً.

كما يبيّن التحليل أن النتائج المترتبة على هذه الاعتداءات تتجاوز الإضرار المباشر بالفلسطينيين، لتسهم في إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في مناطق “ج” عبر آليات تهجير بطيء وتآكل تدريجي لشروط الحياة، بما يرسّخ واقعاً سياسياً جديداً دون الحاجة إلى إعلان ضم رسمي، وهكذا يتحول العنف الاستيطاني إلى أداة منخفضة الكلفة السياسية لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى.

إن أخطر ما تكشفه هذه الظاهرة لا يكمن فقط في حجم الاعتداءات، بل في قدرتها على إنتاج واقع دائم يتآكل فيه الاستقرار المحلي، وتتراجع فرص الحل السياسي، بينما تتكرس وقائع ميدانية يصعب عكسها مع مرور الوقت، وفي ظل غياب مساءلة دولية فعالة، يصبح العنف آلية مستمرة لإعادة هندسة المجال الجغرافي والسياسي في الضفة الغربية.

وعليه، فإن فهم عنف المستوطنين بوصفه سياسة مُيسّرة مؤسسياً، وليس مجرد انفلات أمني، يشكل شرطاً أساسياً لأي مقاربة دولية أو فلسطينية تسعى إلى حماية المواطنين الفلسطينيين والحفاظ على إمكانية تسوية سياسية مستقبلية، فالتعامل مع النتائج الإنسانية دون معالجة البنية السياسية والقانونية التي تنتجها لن يؤدي إلا إلى إدارة الأزمة، لا وقفها.

التوصيات: إطار سياسات متعدد المستويات

أولاً: على المستوى الفلسطيني الرسمي

  1. إنشاء منظومة وطنية موحدة للتوثيق القانوني
  • تأسيس إطار وطني مركزي يدمج عمل المؤسسات الحكومية ومنظمات حقوق الإنسان لتوثيق اعتداءات المستوطنين وفق معايير الإثبات المعتمدة لدى المحكمة الجنائية الدولية.
  • الانتقال من التوثيق الإعلامي إلى التوثيق القضائي القابل للتقاضي.

2.  بناء ملف قانوني خاص بالتواطؤ المؤسسي

  • توثيق حالات مرافقة الجيش للمستوطنين أو امتناعه عن الحماية باعتبارها أدلة على مسؤولية دولة الاحتلال، وليس فقط مسؤولية أفراد.
  • تصنيف الاعتداءات ضمن نمط ممنهج يثبت الطابع السياسي للانتهاكات.

3. تعزيز الصمود الميداني في المناطق المستهدفة

  • إنشاء صندوق طوارئ لدعم التجمعات الرعوية المهددة بالنزوح (مياه، أعلاف، إعادة تأهيل مساكن).
  • دعم الوجود السكاني باعتباره أداة حماية سياسية وقانونية للأرض.

ثانياً: على المستوى القانوني الدولي

  1. تفعيل المسار أمام المحكمة الجنائية الدولية
  • الدفع نحو إدراج عنف المستوطنين ضمن التحقيق الجاري باعتباره جزءاً من سياسة نقل السكان والاستيطان غير القانوني
  • تقديم ملفات تُظهر العلاقة العملياتية بين الجيش والمستوطنين.

2. استخدام مبدأ الولاية القضائية العالمية

  • تشجيع رفع قضايا أمام محاكم أوروبية ضد أفراد أو جهات متورطة في الاعتداءات.
  • استهداف المسؤولية القيادية وليس المنفذين فقط.

3. توسيع توصيف الجرائم

  • الدفع قانونياً نحو اعتبار النزوح الناتج عن العنف الاستيطاني شكلاً من التهجير القسري غير المباشر المحظور دولياً.

ثالثاً: على المستوى الدولي والدبلوماسي

  1. الانتقال من الإدانة إلى الردع
  • الدعوة إلى عقوبات محددة تستهدف: قادة البؤر الاستيطانية العنيفة، الجهات الحكومية الداعمة مالياً أو تنظيمياً.

2. إنشاء آلية حماية دولية للمناطق الأكثر هشاشة

  • المطالبة بنشر بعثات مراقبة دولية في التجمعات الرعوية المهددة.
  • اعتماد نظام إنذار مبكر يوثق الاعتداءات بشكل فوري.

3. إدراج عنف المستوطنين كعامل عدم استقرار إقليمي

  • نقل القضية من إطارها الإنساني إلى إطار الأمن الإقليمي، بما يزيد كلفة تجاهلها دولياً.

رابعاً: على المستوى الإعلامي

  1. إعادة تأطير الخطاب الإعلامي
  • الانتقال من توصيف “اشتباكات” أو “أحداث عنف” إلى توصيف قائم على: (العنف المنهجي، التهجير القسري، والتواطؤ المؤسسي).

2. بناء سردية قائمة على الإنسان والمكان

  • توثيق قصص التجمعات المهددة بوصفها نماذج لسياسة تغيير ديموغرافي، وليس حوادث منفصلة.

3. توظيف البيانات والتحليل

  • إنتاج مواد إعلامية تعتمد الخرائط الزمنية والإحصاءات لإظهار الطابع المتصاعد والمنظم للعنف.

خامساً: على مستوى البحث والسياسات العامة

  1. إنشاء قاعدة بيانات زمنية للعنف الاستيطاني
  • ربط الاعتداءات بالتوسع الاستيطاني والقرارات الحكومية لإظهار العلاقة السببية.

2. تطوير مؤشرات إنذار مبكر للنزوح

  • تحديد المناطق الأكثر عرضة للتهجير قبل حدوثه، بما يسمح بتدخل مبكر.

3. تعزيز الدراسات المقارنة

  • مقارنة الحالة في الضفة الغربية بنماذج تاريخية للاستيطان الاستعماري لفهم المسارات المتوقعة مستقبلاً.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مارس 2026

شارك:

المزيد من المقالات

المسجد الأقصى بين الطوارئ والسياسة: الإغلاق كأداة لإعادة تشكيل الواقع

تستعرض هذه الورقة تحليلًا استراتيجيًا لإجراءات إغلاق المسجد الأقصى خلال الحرب الإقليمية، وتقييم أثرها على الواقع الفلسطيني، وتشير التجارب التاريخية إلى أن الإغلاقات المؤقتة غالبًا ما تتحول إلى ممارسات دائمة، مما يهدد الوضع التاريخي والقانوني للمسجد.

الفجوة السلطوية في غزة: تداعيات عرقلة الاحتلال لاستلام اللجنة الوطنية لمهامها وانتقال الإدارة الحكومية

إن عرقلة انتقال الإدارة المدنية لا تنتج فراغًا عرضيًا، بل تخلق نموذج حكم انتقاليًا يبقي غزة في منطقة رمادية بين الاحتلال والإدارة الذاتية غير المكتملة — وهي الحالة التي تصفها الورقة بـ”الفجوة السلطوية”.