أ. إبراهيم الحواجري
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية-تحليل سياسات
| الملخص التنفيذي في 28 مايو 2026، أصدر مجلس الاتحاد الأوروبي قراراً بموجب الإطار القانوني CFSP 2024/385 يُضيف عشرة أعضاء من المكتب السياسي لحركة حماس إلى قائمة العقوبات المتضمنة تجميد الأصول وحظر السفر، في مقدمتهم خالد مشعل وخليل الحية وموسى أبو مرزوق. وتنطلق هذه الدراسة من فرضية أن هذه العقوبات تتجاوز البعد الأمني المُعلن لتُشكّل جزءاً من مسعى أوسع لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني عبر تحديد الفاعلين المقبولين دولياً في ترتيبات ما بعد الحرب وربط إعادة الإعمار بشروط سياسية محددة. وتخلص الدراسة إلى أن المتغير الحاسم في مستقبل النظام السياسي الفلسطيني هو قدرة الفلسطينيين على بناء توافق وطني جامع يحمي استقلالية قرارهم من الضغوط الخارجية. |
مقدمة
في الثامن والعشرين من مايو 2026، أصدر مجلس الاتحاد الأوروبي قراراً بتوسيع نطاق العقوبات المفروضة على حركة حماس والجهاد الإسلامي، إذ أضاف عشرة أعضاء من المكتب السياسي للحركة إلى قائمة العقوبات المتضمنة تجميد الأصول وحظر السفر، وضمّت القائمة قيادات بارزة في مقدمتها خالد مشعل، وخليل الحية، وموسى أبو مرزوق، وحسام بدران، وفتحي حماد، وزاهر جبارين، وآخرين، وقد جاء هذا القرار تطبيقاً للإطار القانوني الذي أسسه المجلس في يناير 2024 بموجب القرار رقم CFSP 2024/385، والذي مدّد العمل به لاحقاً حتى يناير 2027.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية رئيسية مفادها أن هذه العقوبات، رغم تقديمها في إطار قانوني وأمني، تتجاوز في دلالاتها الاستراتيجية البعدَ الردعي لتصبح جزءاً من عملية واسعة لإعادة تشكيل خريطة الفاعلين السياسيين الفلسطينيين المقبولين دولياً في مرحلة ما بعد الحرب على غزة.
وتسعى الدراسة إلى الإجابة عن السؤال المحوري: إلى أي مدى تنجح العقوبات الأوروبية في إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني، وما التداعيات المترتبة على ذلك على مستقبل الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي؟
أولاً: الإطار المنهجي والسياقي
السؤال البحثي والفرضية
تُعدّ العقوبات الدولية اليوم أداةً متعددة الأهداف لم تعد تقتصر على العقاب الاقتصادي للدول، بل أصبحت وسيلةً لتشكيل البيئات السياسية الداخلية، وإعادة توزيع موازين القوى، وتحديد هوية الأطراف المقبولة في ترتيبات ما بعد الصراع، ومن هذا المنطلق، تطرح هذه الدراسة سؤالها المحوري:
السؤال البحثي المحوري
هل تمثل العقوبات الأوروبية على قيادات حركة حماس أداةً لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني؟ وما التداعيات المترتبة على مستقبل الوحدة الوطنية الفلسطينية والاستقرار السياسي؟
تنطلق الدراسة من فرضية رئيسية مؤداها أن هذه العقوبات تُشكّل جزءاً من منظومة سياسية أشمل تستهدف إعادة تعريف الشريك الفلسطيني المقبول دولياً، وربط الشرعية السياسية وإعادة الإعمار بترتيبات سياسية وأمنية محددة، وفي ضوء هذه الفرضية، يصبح تحليل العقوبات عملاً يتجاوز القراءة القانونية ليصل إلى التحليل الاستراتيجي لمستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
المنهج والمصادر
تعتمد الدراسة على ثلاثة مستويات تحليلية:
أولاً، تحليل الوثائق الأوروبية الرسمية والقرارات المؤسسية ذات الصلة.
ثانياً، استثمار بيانات استطلاعات الرأي الفلسطيني الصادرة عن مراكز البحث والدراسات الفلسطينية لقياس الثقل الشعبي للحركة.
ثالثاً، التحليل المقارن مع تجربتي جنوب أفريقيا وأيرلندا الشمالية للاستدلال على حدود فعالية سياسات الإقصاء السياسي.
ثانياً: العقوبات الأوروبية — الإطار القانوني والتطور التاريخي
المسار التشريعي وتطور الإطار القانوني
أرسى الاتحاد الأوروبي منظومة عقوباته على حركة حماس عبر مسارين قانونيين متوازيين: الأول قائم منذ عام 2001 في إطار ما يُسمى قائمة الإرهاب الأوروبية المنبثقة عن الموقف المشترك CFSP 2001/931، والذي صنّف حركة حماس منظمةً إرهابية، أما المسار الثاني فقد أُطلق في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر 2023، حين أصدر المجلس في يناير 2024 القرار CFSP 2024/385 مؤسساً إطاراً مستقلاً يستهدف مباشرةً الأفراد والكيانات التي تدعم الحركة أو تيسّر عملياتها.
وقد تطورت العقوبات وفق خطوات متصاعدة: في يناير 2024 استُهدف ستة أفراد من الدائرة المالية للحركة، ثم في يونيو 2024 أُضيف ستة أفراد وثلاث كيانات ارتبطت بشبكات تمويل الحركة، وفي مايو 2026 أعلن المجلس بتاريخ 28 مايو توسيعاً جوهرياً للإطار القانوني ليطال أعضاء المكتب السياسي للحركة للمرة الأولى.
عقوبات مايو 2026 — دلالة التحول النوعي
يُمثّل قرار مايو 2026 تحولاً نوعياً في منطق العقوبات الأوروبية؛ إذ كانت القرارات السابقة تستهدف بصورة رئيسية الشبكات المالية والكيانات المساندة، فيما جاء قرار 2026 ليطال القيادة السياسية ذاتها لأول مرة، متضمناً أبرز أعضاء المكتب السياسي لحركة حماس.
القيادات المستهدفة بعقوبات مايو 2026
خالد مشعل (رئيس المكتب السياسي الأسبق، أحد الأعضاء الفاعلين في القيادة الخماسية الحالية)؛ خليل الحية (عضو القيادة الخماسية، رئيس فريق التفاوض)؛ موسى أبو مرزوق (نائب رئيس المكتب السياسي الأسبق)؛ حسام بدران (عضو المكتب السياسي)؛ زاهر جبارين (مسؤول ملف الأسرى والضفة الغربية)؛ محمد نزال (عضو المكتب السياسي)؛ فتحي حماد (وزير الداخلية الأسبق في غزة)؛ نزار عوض الله؛ محمد إسماعيل درويش؛ أبو خليل القدس.
وتشمل العقوبات تجميد الأصول وحظر السفر والمنع من تلقي الأموال أو الموارد الاقتصادية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وقد صرّح المجلس في بيانه الرسمي بأن “أعضاء المكتب السياسي يضطلعون بدور محوري في صنع القرار ويمارسون نفوذاً واسعاً على الجناح العسكري للحركة، بما في ذلك عملياتها العنيفة، ومن ثَمّ يتحملون المسؤولية الكلية عن تلك الأعمال”، ويعكس هذا المنطق تحولاً من الاستهداف الوظيفي (الشبكات المالية) إلى الاستهداف السياسي (القيادة القرارية).
والجدير بالملاحظة أن هذه العقوبات صدرت في اليوم التالي مباشرة لقرار أوروبي آخر بفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين متطرفين وأربع منظمات مرتبطة بالاستيطان في الضفة الغربية، وهو ما سعى الاتحاد إلى تقديمه ضمن خطاب التوازن والتكافؤ في التعامل مع أطراف الصراع.
ثالثاً: حركة حماس في النظام السياسي الفلسطيني — الثقل والمكانة
المسار التاريخي: من الحركة الناشئة إلى الفاعل الراسخ
منذ تأسيسها في ديسمبر 1987 على هامش الانتفاضة الأولى، قطعت حركة حماس مسيرة تحول من جماعة مقاومة محلية إلى فاعل راسخ في النظام السياسي الفلسطيني، وقد شكّلت انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في يناير 2006 محطةً مفصلية؛ إذ حصلت الحركة على 74 مقعداً من أصل 132 (56%)، محققةً فوزاً يفوق التوقعات في أكبر تجربة ديمقراطية فلسطينية، وقد كشفت تلك النتيجة أن الحركة تمثل قوةً انتخابية راسخة ذات قاعدة شعبية عريضة.
الثقل الشعبي — شهادة الأرقام
في سياق قياس ثقل حركة حماس في الرأي العام الفلسطيني، تُظهر بيانات استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (PCPSR)، وبالشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور (KAS)، أن الحركة تحتفظ بموقع متقدم مقارنة ببقية الفصائل، رغم التباين الواضح بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ففي استطلاع الرأي رقم (91) الذي أُجري في آذار/مارس 2024، برزت حماس كالقوة السياسية الأبرز في سيناريو “الانتخابات التشريعية الفورية”، حيث تراوحت نسب دعمها في الضفة الغربية بين نحو 40–45% مقابل نحو 20–25% لحركة فتح، في حين أظهرت نتائج قطاع غزة مستويات دعم أعلى لحماس ضمن هامش أقرب في التنافس بين الفصائل.
وتعزز هذه الاتجاهات ما ورد في استطلاع الرأي رقم (96) الصادر عن المركز في تشرين الأول/أكتوبر 2025، والذي أشار إلى استمرار تفوق حركة حماس على حركة فتح في مؤشرات التفضيل السياسي وسيناريوهات التصويت الافتراضي، مع بقاء الفجوة بين الضفة الغربية وقطاع غزة قائمة ولكن غير حاسمة في تحديد الاتجاه العام، وتعكس هذه النتائج مجتمعة استمرار حضور حركة حماس كفاعل سياسي مركزي في بنية الرأي العام الفلسطيني، مع درجة عالية من الدينامية والتأثر بالسياقات السياسية والميدانية المحيطة.
وتكشف هذه الأرقام معطيين جوهريين: أولهما أن الحركة تحتفظ بأرجحية انتخابية واضحة رغم الحرب وتداعياتها الإنسانية الكارثية، وثانيهما أن التأييد لم ينهار انهياراً هيكلياً كما توقع بعض المحللين، بل عرف تذبذباً يرتبط بتطورات الميدان ومستوى المعاناة الإنسانية، لا بتحول قيمي جذري.
الأبعاد البنيوية الأخرى
يتجاوز حضور حركة حماس بعدها الانتخابي ليشمل أبعاداً بنيوية متشابكة: فعلى الصعيد المؤسسي، تمتلك الحركة شبكة واسعة من المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والصحية التي تُشكّل رافداً تنظيمياً لا يمكن تجاهله، وعلى الصعيد الأمني، تحتفظ الحركة بجناح عسكري يؤثر في معادلات الصراع الإقليمية والدولية، وعلى الصعيد التفاوضي، كانت الحركة طرفاً رئيسياً في مفاوضات وقف إطلاق النار وصفقات تبادل الأسرى طوال مرحلة الحرب، بما يمنحها ثقلاً تفاوضياً لا يمكن تجاوزه حتى لدى القوى التي ترفض الحوار معها رسمياً.
رابعاً: الأهداف السياسية الكامنة وراء العقوبات
يستدعي تحليل العقوبات الأوروبية قراءتها على مستويين: التصريح الرسمي القائل بهدف الردع وتقليص قدرات الحركة العسكرية، والأهداف السياسية الاستراتيجية الكامنة التي تتجلى عند ربط العقوبات بسياقها الزمني والسياسي الأوسع.
إعادة تعريف الشريك الفلسطيني المقبول دولياً
شكّلت مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر 2023 سياقاً دولياً مكثفاً لإعادة رسم ملامح الشريك الفلسطيني المقبول في ترتيبات ما بعد الحرب، وتتضمن العقوبات آلية تمييز ضمنية بين قوى مقبولة دولياً تحظى بالشرعية المرتبطة بالإعمار والدعم السياسي، وقوى أخرى يُراد تقليص دورها في الترتيبات السياسية القادمة، والمفارقة اللافتة أن العقوبات تطال قيادات فاز بعضها في انتخابات 2006 بشرعية صندوق الاقتراع، وتولّى بعضها الآخر إدارة مفاوضات رسمية مع الوسطاء الدوليين أنفسهم.
الضغط باتجاه إعادة صياغة المعادلة الأمنية
استهداف المكتب السياسي دون الجناح العسكري يُعبّر عن رغبة في نزع الغطاء الشرعي السياسي عن خيار المقاومة المسلحة، وإعادة صياغة البيئة السياسية الفلسطينية بما يجعل المسار التفاوضي هو الخيار الوحيد المتاح دولياً، وهذا المنطق يُفرز تناقضاً واضحاً: تسعى العقوبات إلى إضعاف القيادة السياسية للحركة، في حين أن هذه القيادة ذاتها هي التي تتولى الملف التفاوضي وتمتلك صلاحية اتخاذ قرار الهدنة.
ربط الإعمار بالتحول السياسي
باتت مساعدات إعادة الإعمار، البالغ حجم الضرر الناجم عن الحرب ما يزيد على 40 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي، مرتبطةً بشروط سياسية وأمنية متصاعدة، وبذلك تتحول العقوبات إلى أداة في منظومة أوسع تربط التعافي الاقتصادي والإنساني بمعادلة سياسية محددة، تقتضي إقصاء الحركة من أي دور في إدارة غزة مستقبلاً.
خامساً: تداعيات العقوبات على النظام السياسي الفلسطيني
تعميق الانقسام وإعاقة المصالحة
تُشكّل العقوبات تحدياً إضافياً أمام جهود المصالحة الوطنية الفلسطينية التي تعثرت منذ انقسام 2007. فمن ناحية، قد تدفع العقوبات بعض الأطراف الفلسطينية إلى توظيفها لتعزيز مواقعها التفاوضية الداخلية، ومن ناحية أخرى، ترى حركة حماس في هذه العقوبات استهدافاً مباشراً لوجودها السياسي.
وفي الحالتين، تتسع فجوة الثقة بين الفصائل، وتُضعف فرص التوافق حول صيغة الحكومة الفلسطينية الموحدة.
ضعف الشرعية التمثيلية
تتطلب عملية إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية مشاركة القوى الرئيسية، وأي ترتيب يستبعد قوة تحظى بأرجحية انتخابية كما توثق البيانات يُنتج مؤسسات هشة تعاني من ضعف التمثيل والمشروعية، وهو ما يُفضي بدوره إلى دورات متكررة من انعدام الاستقرار، وهذا بالضبط ما أثبتته التجارب المقارنة التي سنناقشها لاحقاً.
التعارض بين الشرعيتين الشعبية والدولية
تتجلى هنا إشكالية ديمقراطية جوهرية: إذا كانت قوةٌ ما تحظى بتأييد شعبي واسع تواجه في الوقت ذاته رفضاً دولياً وعقوبات، فإن ذلك يُنتج حالة من التناقض بين ما يريده الناخب الفلسطيني وما تعتبره القوى الدولية مقبولاً، وهذا التناقض هو بذاته سبب زوال كثير من الترتيبات السياسية المفروضة من الخارج، لأنها تفتقر إلى جذر شعبي يمنحها الاستمرارية.
زيادة التبعية للخارج
كلما ارتبطت الشرعية السياسية الفلسطينية بمواقف دولية وعقوبات خارجية، تراجع هامش استقلالية القرار الفلسطيني، وهذا الأمر لا يصبّ في مصلحة أيٍّ من الفصائل الفلسطينية على المدى البعيد، لأنه يُعمّق التدخل الخارجي في شؤون الحوكمة ويُضعف القدرة على بناء استراتيجية وطنية متماسكة.
سادساً: دروس التجارب الدولية — حدود الإقصاء وآفاق الإدماج
جنوب أفريقيا — حين فشل الإقصاء ونجح الإدماج
واجهت حركة المؤتمر الوطني الأفريقي خلال عقود نظام الفصل العنصري حملات عزل شاملة؛ إذ صنّفتها بعض الحكومات الغربية في فترة من الفترات ضمن قوائم الإرهاب، وفُرضت قيود مشددة على تمويلها وأنشطتها الدولية، غير أن التحولات السياسية التي شهدتها أوائل التسعينيات كشفت أن الحركة كانت تمثل غالبية ساحقة من المجتمع الجنوب أفريقي، وأن أي تسوية سياسية تستبعدها ستكون عاجزة عن الصمود، وقد انتهى المطاف بالقوى الدولية ذاتها التي فرضت العزل إلى الانخراط في مفاوضات مباشرة مع تلك القيادة، وإلغاء عقوباتها، والاعتراف بشرعيتها الديمقراطية.
الدرس المستفاد: الحركات ذات الامتداد الشعبي لا يمكن إزاحتها بأدوات الضغط الخارجي لأنها تعبّر عن حاجة اجتماعية وسياسية عميقة لا تزول بالعقوبات.
أيرلندا الشمالية — قيمة الإدماج في بناء السلام
كان النهج الأوروبي والبريطاني الأولي في إدارة صراع أيرلندا الشمالية يستند إلى مبدأ استبعاد الأطراف المرتبطة بالجناح العسكري للحركة الجمهورية الإيرلندية، وقد استمر هذا النهج الإقصائي لسنوات دون أن يُحقق استقراراً، والتحول الجذري جاء حين اتخذت الحكومتان البريطانية والأيرلندية قراراً جريئاً بإشراك الأطراف ذات الصلة بالعمل المسلح في مفاوضات مباشرة، قبل أن تُنزع الأسلحة، وأفضى ذلك إلى اتفاقية الجمعة العظيمة (أبريل 1998) التي أنهت عقوداً من الصراع وأرست نظام مشاركة السلطة بين الجماعات المتنافسة.
يلفت الباحثون الأكاديميون المتخصصون في هذه التجربة إلى أن “السمة الأبرز للعملية التفاوضية كانت التركيز على الشمولية، ولا سيما القرار المثير للجدل بإشراك الأطراف المرتبطة بالتنظيمات المسلحة قبل أن تتخلى بصورة قاطعة وموثّقة عن العنف،” وقد أسهم هذا المبدأ إسهاماً محورياً في تحقيق الاتفاقية ومتانتها.
الدرس المستفاد: التسويات السياسية المستدامة تستلزم إشراك الأطراف الحاملة للسلاح في المسار السياسي، لا استبعادها وانتظار انهيارها.
أوجه الشبه والاختلاف مع الحالة الفلسطينية
تتقاطع الحالة الفلسطينية مع هاتين التجربتين في عدة محاور: الصراع الممتد الذي يتجذّر في مظلمة تاريخية مركبة، والحركات السياسية ذات الامتداد الشعبي العميق، والتداخل بين الأبعاد السياسية والعسكرية، والتدخل الخارجي في إدارة الصراع، غير أن ثمة سمات مميزة للحالة الفلسطينية تستدعي مراعاتها: استمرار الاحتلال المباشر وغير المباشر؛ والانقسام الفلسطيني الداخلي القائم منذ 2007؛ وغياب عملية سياسية ذات مرجعية دولية واضحة؛ فضلاً عن التعقيدات الإقليمية الناجمة عن شبكة التحالفات المتقاطعة، وتُظهر هذه الفوارق أن المقارنة نافعة في تأطير الظاهرة ومعرفة المآلات، لا في استنساخ الحلول.
سابعاً: المواقف الأوروبية — التباينات الداخلية والتحولات المحتملة
رغم الإجماع الأوروبي الظاهر على فرض العقوبات، تعكس القراءة المعمّقة للمشهد الأوروبي تبايناً حقيقياً في المقاربات يعكس نقاشاً سياسياً جادّاً حول مستقبل التعامل مع ملف غزة.
المقاربة الأمنية
تتبنى هذه المقاربة دولٌ تُركّز على الاعتبارات الأمنية باعتبارها المحدد الأساسي للعلاقة مع حركة حماس، وترى أن العقوبات أداة ضرورية لتغيير سلوك الحركة وربط أي تسوية مستقبلية بشروط أمنية واضحة تتعلق بالسلاح وإدارة القطاع.
المقاربة البراغماتية
يرى أصحاب هذه المقاربة من دول ومؤسسات أوروبية عدة أن تجاهل الثقل الشعبي لحركة حماس سيُنتج ترتيبات غير قابلة للاستمرار، وأن السياسة الأوروبية تحتاج إلى تمييز بين معارضة خيارات الحركة وإقصائها كلياً، وتُذكر في هذا السياق الضغوط الدبلوماسية التي مارستها دول كإسبانيا وأيرلندا وبلجيكا لتحقيق توازن أكثر وضوحاً في المواقف الأوروبية.
دلالة التزامن: عقوبات حماس والمستوطنين في يومين متتاليين
يُعدّ اقتران قرار عقوبات المكتب السياسي لحماس بقرار عقوبات المستوطنين المتطرفين في يومين متتاليين (27-28 مايو 2026) مؤشراً دبلوماسياً لافتاً، فبينما تقدّم الاتحاد الأوروبي بخطاب التوازن، انتقد المسؤولون الإسرائيليون بشدة فرض “معادلة أخلاقية زائفة” بين مواطنين إسرائيليين وما وصفوه بالإرهاب، ويكشف هذا التجاذب أن العقوبات على حماس لا تُقرأ في فراغ، بل في سياق توتر أوروبي-إسرائيلي أعمق حول السياسة في الأراضي المحتلة.
ثامناً: الإطار القانوني والإشكاليات الحقوقية
الآليات القانونية للعقوبات
يعتمد الاتحاد الأوروبي في فرض عقوباته جملةً من الآليات القانونية المحددة: تجميد الأصول المالية المنقولة وغير المنقولة؛ وحظر السفر ودخول أراضي الاتحاد؛ والمنع من تلقي أي تمويل أو موارد اقتصادية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتستند هذه الإجراءات إلى قرارات أوروبية داخلية مقرونة بمراجعة دورية، مع إمكانية الطعن أمام المحكمة الأوروبية للعدل، وإن كانت هذه المسارات مكلفة وطويلة.
الإشكاليات القانونية والحقوقية
يثير عدد من الخبراء القانونيين الدوليين تساؤلات جوهرية حول مشروعية هذه العقوبات وملاءمتها:
أولاً، صدور القرارات عبر مسارات سياسية وإدارية في غياب أحكام قضائية نهائية بحق الأشخاص المستهدفين؛ وثانياً، مدى قدرة العقوبات على تقييد الممارسة السياسية لأعضاء فازوا في انتخابات بشرعية الصندوق؛ وثالثاً، التأثير غير المباشر على المجتمع المدني والمؤسسات المرتبطة بالحركة مما يتجاوز الأشخاص المستهدفين.
والأكثر دلالةً، أن الفلسطينيين شعب يخضع للاحتلال وفق قرارات الأمم المتحدة، ويتمتع بحق تقرير المصير المكفول دولياً، ومن ثمّ، يصبح السؤال: إلى أي مدى يمكن للعقوبات الدولية أن تُقيّد الخيار السياسي لمجتمع ما دون أن تمسّ بحقه الجماعي في التمثيل السياسي؟ وهذا السؤال يُشكّل أحد أكثر النقاط استثارةً للجدل في الأوساط القانونية الدولية.
تاسعاً: السيناريوهات المستقبلية
بناءً على التحليل السابق، يمكن استشراف أربعة سيناريوهات لمستقبل النظام السياسي الفلسطيني في ضوء العقوبات والضغوط الدولية المتواصلة:
| السيناريو | أبرز الملامح | التحديات والمخاطر | احتمال التحقق |
| هندسة المشهد من الخارج | إعادة تمكين السلطة الفلسطينية في غزة، ربط الإعمار بشروط سياسية، تقليص دور الفصائل المسلحة، تصعيد شخصيات تحظى بدعم دولي. | ضعف القبول الشعبي، استمرار الانقسام، صعوبة تجاوز القوى الفاعلة ميدانياً، غياب آليات تنفيذ فعّالة. | متوسطة الأجل، عالية المخاطر |
| التكيّف وإعادة التموضع | استمرار الحركة فاعلاً رئيسياً، تطوير شبكات علاقات جديدة، زيادة الاعتماد على الأدوات الدبلوماسية. | ضغوط مالية مستمرة، تقليص هامش الحركة الدولية للقيادة، تعقيد المفاوضات. | مرتفعة نسبياً |
| التوافق الوطني الشامل | إنهاء الانقسام، تشكيل حكومة توافق وطني، إعادة بناء منظمة التحرير، انتخابات عامة شاملة. | تعثر جهود المصالحة تاريخياً، الضغوط الإقليمية والدولية، الاشتراطات الدولية المتعارضة. | محدودة حالياً، الأعلى استدامةً |
| إعادة إنتاج الانقسام | استمرار الانقسام، تعدد مراكز القرار، تعثر المصالحة، تصاعد التدخلات الإقليمية. | إضعاف المؤسسات الوطنية، تراجع القدرة على مواجهة التحديات، إطالة الأزمة. | مرتفعة في غياب مسار وطني |
تُشير القراءة التحليلية لهذه السيناريوهات إلى أن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني لن يُحدَّد بحجم الضغوط الدولية وحدها، بل بقدرة الفلسطينيين على إنتاج توافق وطني يُبطّن هذه الضغوط ويحمي استقلالية القرار.
عاشراً: الاستنتاجات
تتوصل هذه الدراسة إلى جملة من الاستنتاجات التحليلية الموثقة:
1. تمثل عقوبات مايو 2026 تحولاً نوعياً من استهداف الشبكات المالية إلى استهداف القيادة السياسية مباشرةً، مما يكشف عن منطق يتجاوز الردع الأمني نحو إعادة تشكيل خريطة الفاعلين السياسيين الفلسطينيين.
2. تُثبت بيانات الاستطلاعات الموثوقة (مركز البحث والدراسات الفلسطينية 2024-2025) أن حركة حماس تحتفظ بأرجحية انتخابية واضحة، مما يجعل أي ترتيب سياسي يستبعدها هشّاً.
3. تكشف التجربتان المقارنتان لجنوب أفريقيا وأيرلندا الشمالية أن الإقصاء السياسي للحركات ذات الامتداد الشعبي الواسع لا يُحقق الاستقرار، بل يُطيل الصراع ويُعقّد التسوية.
4. قد تُنجز العقوبات ضغوطاً مالية ودبلوماسية ملموسة، غير أن قدرتها على إحداث تحول جذري في موازين القوى الداخلية الفلسطينية محدودة في ضوء المعطيات التاريخية والشعبية.
5. ربط إعادة الإعمار بشروط سياسية مسبقة يُنتج مخاطر أمنية وإنسانية واجتماعية قد تُعمّق الانهيار الذي يُفترض أن تُعالجه.
6. الوحدة الوطنية الفلسطينية هي الرد الاستراتيجي الوحيد الفعّال على سياسات الإقصاء الخارجية، إذ تُقلّص هامش التدخل وتُعزز شرعية القرار الوطني.
الخلاصة
تكشف عقوبات الاتحاد الأوروبي على قيادات حركة حماس، ولا سيما قرار مايو 2026 الذي استهدف المكتب السياسي للمرة الأولى، عن مرحلة جديدة في توظيف العقوبات أداةً لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني لا مجرد وسيلة للردع الأمني، وقد سعت هذه الدراسة إلى تحليل هذا التحول في ضوء المعطيات الموثقة والتجارب الدولية المقارنة.
وتخلص الدراسة إلى أن العقوبات، رغم تأثيرها المالي والدبلوماسي الملموس، تصطدم بحقيقتين راسختين: الأولى أن حركة حماس تمتلك ثقلاً شعبياً بنيوياً تُوثّقه الاستطلاعات المستقلة بصرف النظر عن مواقف المجتمع الدولي، والثانية أن التجارب المقارنة تُثبت أن سياسات الإقصاء لا تُحقق الاستقرار بل تُطيل النزاعات وتُعقّد التسويات.
وعليه، فإن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني لن يتحدد بحجم الضغوط الدولية ولا بمنطق العقوبات، بل بقدرة الفلسطينيين أنفسهم على بناء مشروع وطني موحد يستوعب تعددية الحركة الوطنية، ويحمي استقلالية القرار من التدخلات الخارجية، ويُرسّخ الشرعية الشعبية بوصفها المرجعية الأولى والأخيرة لأي ترتيب سياسي مستدام.
التوصيات
على الصعيد الوطني الفلسطيني
1. إطلاق حوار وطني شامل بمشاركة جميع الفصائل والمنظمات يستهدف صياغة وثيقة توافق سياسي حول مرحلة ما بعد الحرب، تُحدد آليات الحكم المؤقت وخارطة طريق الانتخابات.
2. إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس تمثيلية وديمقراطية جامعة تضم كافة مكونات الحركة الوطنية وتُعيد لها صفة المرجعية الوطنية الجامعة.
3. فصل ملف إعادة الإعمار عن الاشتراطات السياسية الفصائلية، والتعامل معه باعتباره واجباً إنسانياً ووطنياً لا أداةً للضغط والمساومة.
4. بناء استراتيجية قانونية ودبلوماسية متكاملة للتعامل مع تداعيات العقوبات، تشمل التمثيل القانوني أمام المحاكم الأوروبية، والتواصل مع الأوساط الأكاديمية والحقوقية الأوروبية.
على صعيد التفاعل مع الفضاء الأوروبي
5. تعزيز التواصل مع مؤسسات البرلمان الأوروبي والمجتمع المدني الأوروبي لشرح الموقف الفلسطيني، بما يستند إلى البيانات والمعطيات الموثوقة لا إلى الخطاب العاطفي وحده.
6. توظيف النقاش الأوروبي الداخلي المتباين حول الملف الفلسطيني لتعزيز المقاربة البراغماتية الأوروبية التي ترى ضرورة استيعاب القوى الفاعلة لا إقصائها.
7. تطوير أدوات تواصل استراتيجية بلغات أوروبية متعددة تستهدف المواطن الأوروبي والمؤسسات الأكاديمية والحقوقية، موضّحةً السياق التاريخي والسياسي للقضية الفلسطينية بما يتجاوز إطار الأمن.
على الصعيد الإقليمي والدولي
8. توظيف العلاقات الفلسطينية مع دول الجنوب العالمي التي ترفض منطق فرض الحلول السياسية عبر العقوبات، لمزيد من العزل الدبلوماسي لسياسة الإقصاء.
9. التأطير القانوني الدقيق لحق الفلسطينيين في المقاومة وتقرير المصير ضمن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، للرد على التأطير الأمني الأحادي.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-يونيو 2026



