توظيف الولايات المتحدة للاتفاقيات الإبراهيمية في إدارة أزمات الشرق الأوسط وإعادة هندسته الأمنية (2020 – 2026)

خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية-تحليل سياسات

الملخص التنفيذي
تتناول هذه الورقة الدور الأمريكي في توظيف الاتفاقيات الإبراهيمية (2020) أداةً للهندسة الأمنية الإقليمية في الشرق الأوسط، بعيداً عن دورها التأسيسي بوصفها مسار تطبيع دبلوماسي-اقتصادي.
وتطرح الورقة سؤالاً بحثياً محورياً: كيف حوّلت الولايات المتحدة الاتفاقيات الإبراهيمية من إطار تطبيع دبلوماسي ثنائي إلى منظومة أمنية متعددة الأطراف، وما انعكاسات ذلك على القضية الفلسطينية ومسارات الاستقرار الإقليمي؟
تعتمد الورقة منهجية تحليلية مقارنة تستند إلى بيانات موثقة وتقارير مؤسسية معتمدة، وتخلص إلى أن الاتفاقيات تحولت من اتفاقيات “سلام رمزي” إلى ركيزة للردع المشترك ضد إيران—وأن هذا التحول حمل تكاليف استراتيجية باهظة على القضية الفلسطينية وعلى فرص الاستقرار الإقليمي الدائم.

مقدمة

في 15 سبتمبر 2020، وقّعت الولايات المتحدة والإمارات والبحرين والكيان الإسرائيلي على الاتفاقيات الإبراهيمية على أعتاب البيت الأبيض؛ وفي غضون أسابيع انضمت المغرب، ثم السودان في يناير 2021. صِيغت تلك اللحظة باعتبارها “تغييراً لنموذج السلام في الشرق الأوسط”، وإرساءً لنظام إقليمي جديد يقوم على “السلام مقابل الازدهار” بديلاً من مبدأ “الأرض مقابل السلام” الذي أرسته مبادرة السلام العربية عام 2002.

غير أن ستة أعوام من التطبيق كشفت أن الاتفاقيات تجاوزت حدود التعريف الأصلي بمراحل؛ إذ تحولت—بفعل التوجيه الأمريكي المتعمد—من إطار دبلوماسي-اقتصادي إلى بنية أمنية عملياتية، تجلّت ذروتها في مايو 2026 بانتشار بطاريات “القبة الحديدية” الإسرائيلية وكوادرها العسكرية على الأراضي الإماراتية لمواجهة الهجمات الإيرانية—وهو حدث وصفه المحللون بأنه “عبور الروبيكون”* في تاريخ العلاقات العربية-الإسرائيلية.

من هذا الواقع يصدر السؤال البحثي المحوري لهذه الورقة: كيف وظّفت الولايات المتحدة الاتفاقيات الإبراهيمية أداةً لإعادة هندسة المنظومة الأمنية الإقليمية في الشرق الأوسط، وما الانعكاسات الاستراتيجية لهذا التوظيف على القضية الفلسطينية وآفاق الاستقرار طويل الأمد؟

سياق تاريخي: ماذا قبل الاتفاقيات؟

لا يمكن قراءة الاتفاقيات الإبراهيمية خارج سياقها التاريخي المتراكم، فقد بدأت البنية التحتية للتعاون الأمني العربي-الإسرائيلي تتشكّل تدريجياً منذ مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، ففي عام 2015، أشرفت إدارة أوباما على قمة الرياض الأمنية التي جمعت دول مجلس التعاون الخليجي حول منظومة الدفاع الصاروخي المشترك لمواجهة إيران، وفي العام ذاته، افتتح الكيان الإسرائيلي بعثة دبلوماسية هادئة لدى وكالة الطاقة المتجددة (IRENA) في أبو ظبي، وفي 2016، وقّعت واشنطن مع الكيان الإسرائيلي أضخم اتفاقية مساعدات أمنية في تاريخها بقيمة 38 مليار دولار، ما جعل التطبيع مع الجيران أقل خطورة من منظور إسرائيلي.

 بمعنى آخر، الاتفاقيات الإبراهيمية لم تكن “شرارة” أشعلت تعاوناً من العدم، بل كانت “إطاراً رسمياً” أُفصح به عن تعاون قائم في الظلام.

أولاً: الأهداف الأصلية للاتفاقيات والتحول في التوظيف الأمريكي

الأهداف المُعلنة: السلام مقابل الازدهار

أُطِّرت الاتفاقيات رسمياً بوصفها منصة لاندماج إقليمي شامل تقوم على أربعة أهداف معلنة: (أ) تجاوز القضية الفلسطينية كشرط مسبق للتطبيع، واستبدال مبدأ “الأرض مقابل السلام” بمفهوم “السلام مقابل الازدهار”؛ (ب) بناء تكامل اقتصادي وتكنولوجي يخلق مصالح مشتركة تجعل من التراجع خياراً مكلفاً؛ (ج) تعزيز السياحة والطاقة والاتصال البشري بين الشعوب؛ (د) إقامة جبهة إقليمية غير رسمية لمواجهة النفوذ الإيراني تحت المظلة الأمنية الأمريكية.

وقد حمل كل طرف دوافع خاصة تجاوزت البُعد الأيديولوجي للتطبيع: فالإمارات حصلت على ضمان إيقاف مخطط الضم الإسرائيلي للضفة الغربية مؤقتاً، وانتزعت وعداً بصفقة طائرات F-35 ومقاتلات F/A-18—وإن ظلت الصفقة معلّقة لاحقاً—إضافة إلى الانفتاح على التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة.

والبحرين رأت في التطبيع ضمانة أمنية إضافية في مواجهة ما تعدّه النفوذ الإيراني في عقر دارها، والمغرب انتزع ثمناً محدداً هو الاعتراف الأمريكي بسيادتها على الصحراء الغربية.

التحول الأمريكي: من السلام إلى الردع

إن التحول الذي تُوثّقه هذه الورقة ليس تحولاً طارئاً بل كان مساراً ممنهجاً في التوجيه الأمريكي، فمنذ اللحظة الأولى، كانت وثيقة نظرية ترامب الأمنية (2017) ترى في إيران التهديد الوجودي الأول للمصالح الأمريكية في الإقليم، وكانت الاتفاقيات أداة لبناء “ناتو عربي-إسرائيلي” غير رسمي يُفرغ إيران من أوراقها الإقليمية، وفي عام 2021، شكّل نقل الجيش الإسلارائيلي من منطقة عمليات القيادة الأوروبية الأمريكية (EUCOM) إلى منطقة القيادة المركزية (CENTCOM) الخطوة المؤسسية الأبرز في هذا المسار؛ إذ أصبح الكيان الإسرائيلي جزءاً عضوياً من منظومة الأمن الإقليمي تحت قيادة أمريكية موحدة.

تجلّى هذا التحول الاستراتيجي في ثلاثة مستويات متتالية:

الأول، مستوى التطبيع الدبلوماسي (2020-2021) المتمثل في تبادل السفارات والرحلات الجوية والعلاقات التجارية.

 والثاني، مستوى الاندماج الأمني (2021-2024) القائم على تبادل الاستخبارات وإدراج الكيان الإسرائيلي في التدريبات العسكرية المشتركة مع الدول المطبِّعة تحت إشراف CENTCOM.

والثالث، مستوى التحالف العملياتي (2025-2026) الذي تجلّى في الاستجابة المشتركة للهجمات الإيرانية، وبلغ ذروته بنشر القبة الحديدية على الأراضي الإماراتية في مايو 2026.

شاهد: القبة الحديدية في الإمارات — مايو 2026

في مايو 2026، أكد السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي علناً نشر الكيان الإسرائيلي بطاريات القبة الحديدية وكوادرها العسكرية على الأراضي الإماراتية لمواجهة الهجمات الإيرانية—وهو أول انتشار معلن لقوات إسرائيلية في دولة خليجية في إطار ترتيب أمني رسمي، وقد وصف محللون هذا الحدث بأنه تحوّل الاتفاقيات الإبراهيمية من هندسة دبلوماسية إلى عقيدة عسكرية عملياتية في زمن الحرب، ووفق تقارير موثقة، شمل النشر بطاريات الرادار ومنظومات الاعتراض، إضافة إلى تكنولوجيا (Iron Beam) و(Spectro) النموذجية، مع تنسيق استخباراتي إسرائيلي مباشر مع منظومات الدفاع الإماراتية والأمريكية.*

مقارنة المقاربات: ترامب الأولى — بايدن — ترامب الثانية

لا يمكن فهم التوظيف الأمريكي للاتفاقيات دون التمييز بين المقاربات الثلاث:

البُعدترامب الأولى (2020-21)بايدن (2021-25)ترامب الثانية (2025-)
الأولوية المُعلنةالسلام والازدهار الاقتصاديالتكامل الأمني مع مراجعة حقوق الإنسانتوسيع الاتفاقيات + الردع ضد إيران
الموقف من فلسطينتجاوزها كلياً (صفقة القرن)دعم متحفظ لحل الدولتينالتجاهل مع ضغط انتخابي إسرائيلي
نمط التعاون مع المطبِّعيناقتصادي + أمني مبدئيأمني + استخباراتي (CENTCOM)عسكري عملياتي مباشر
التمدد الجغرافي للاتفاقيات4 دول عربية + السودانتثبيت الموجود + بحث عن السعوديةكازاخستان + مباحثات سوريا وليبيا

ثانياً: التطبيع أداةً أمنية: من الاندماج الدبلوماسي إلى الردع المشترك

نقل الكيان الإسرائيلي إلى CENTCOM: الحدث المؤسسي الفارق

في سبتمبر 2021 أعادت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إدراج الكيان الإسرائيلي ضمن منطقة القيادة المركزية (CENTCOM)، بدلاً من منطقة القيادة الأوروبية (EUCOM)، ورغم أن هذه الخطوة مرّت دون ضجيج إعلامي كبير، فإن أثرها الاستراتيجي كان بالغاً: فلأول مرة في التاريخ بات الكيان الإسرائيلي والدول الخليجية تنتمي إلى منطقة عمليات أمريكية واحدة، وهو ما مهّد لتطوير بروتوكولات تنسيق عسكري مباشر تحت مظلة مشتركة، وجعل اندماج الكيان الإسرائيلي في المنظومة الأمنية الإقليمية واقعاً مؤسسياً وليس مجرد تصريحات دبلوماسية.

التطبيع الأمني: تبادل الاستخبارات وتكامل الدفاع الجوي

شكّل التطبيع الأمني المحور الأكثر عمقاً في تحوّل الاتفاقيات، وتكشف تقارير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ومؤسسة JINSA أن مستويات التعاون الأمني تطورت عبر ثلاث طبقات:

الطبقة الأولى: تبادل المعلومات الاستخباراتية: تطور من تبادل الإشارات الاستخباراتية (SIGINT) عبر قنوات أمريكية وسيطة في بادئ الأمر، نحو تبادل مباشر آني للبيانات بين الأجهزة الإسرائيلية والخليجية، يشمل بيانات الإنذار المبكر عن الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.

الطبقة الثانية: التدريبات العسكرية المشتركة: أُدرج الجيش الإسرائيلي في التمارين البحرية والجوية التي تنظمها CENTCOM في منطقة الخليج، ولأول مرة في تمارين مختلطة تضم قوات جوية إسرائيلية وإماراتية وأمريكية.

الطبقة الثالثة: التعاون الصناعي الدفاعي: أبرمت شركة Elbit Systems الإسرائيلية تفاوضاً مع مجموعة EDGE الإماراتية حول منظومة هيرمز 900 للطائرات المسيّرة—في سابقة تُجسّد كيف أن الاتفاقيات فتحت ممرات للتصدير الدفاعي الإسرائيلي إلى دول عربية.

“التطبيع الوظيفي”: مفهوم تحليلي

تُقدّم هذه الورقة مفهوم “التطبيع الوظيفي” (Functional Normalization) بوصفه الإطار الأدق لوصف الواقع الراهن، والمقصود به أن الدول المطبِّعة تمارس التعاون مع الكيان الإسرائيلي بقدر ما يخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية اللحظية، مع إبقاء هامش من المرونة للتعليق السياسي الشكلي بناءً على الضغط الشعبي، وهذا النموذج يختلف جوهرياً عن كلا النقيضين: فهو ليس “سلاماً شاملاً” على غرار المعاهدة الأردنية-الإسرائيلية أو المصرية-الإسرائيلية، وليس تجميداً كاملاً يُفضي إلى القطيعة.

الدليل الأوضح على صحة هذا المفهوم أن الإمارات والبحرين لم تسحبا سفيريهما من الكيان الإسرائيلي طوال الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023، بل واصلتا التجارة الثنائية التي بلغت قيمتها 3.2 مليار دولار بين الكيان الإسرائيلي والإمارات عام 2024 وحده وفق أرقام المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي—وهو ما يعكس أن المصالح الأمنية والاقتصادية باتت تتجاوز حسابات الشرعية السياسية الشعبية.

ثالثاً: الجائزة الكبرى: الملف السعودي ومحددات الانضمام

السعودية: بين الإغراء الاستراتيجي والسقف السياسي

منذ البداية، كانت المملكة العربية السعودية “الجائزة الاستراتيجية الكبرى” للمشروع الأمريكي في توسيع الاتفاقيات؛ لما تمثله من ثقل اقتصادي ونفوذ ديني يجعل انضمامها بمثابة “شرعية إسلامية ” للتطبيع الإقليمي، وقد تقدّمت المفاوضات خطوات واسعة قبيل أكتوبر 2023، إذ كانت الرياض وواشنطن وتل أبيب تعمل عبر قنوات وزارة الخارجية الأمريكية على صياغة حزمة متكاملة تشمل: معاهدة دفاع مشترك أمريكية-سعودية، والسماح للسعودية بتخصيب اليورانيوم في إطار برنامج نووي مدني، وتعهدات إسرائيلية بشأن “أفق سياسي” للفلسطينيين.

دمّرت أحداث 7 أكتوبر 2023 والحرب التي تلتها هذا المسار، ففي سبتمبر 2024، أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أمام مجلس الشورى أن “المملكة لن تُقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل دون إقامة الدولة الفلسطينية”، ولمزيد من الدلالة، كشف استطلاع أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة (ديسمبر 2023 – يناير 2024) على عينة من 8000 شخص في 16 دولة عربية، أن 89% يرفضون الاعتراف بــ”إسرائيل” مقابل 4% مؤيدين فقط، وأن نسبة رفض التطبيع في السعودية تحديداً ارتفعت من 38% قبل الحرب إلى 68% بعدها.

عودة ترامب وحسابات المرحلة الجديدة

مثّل عودة ترامب في يناير 2025 محطة جديدة في هذا الملف، ففي مايو 2025 زار ترامب المنطقة وأبرم مع الرياض اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة تضمنت صفقة أسلحة بقيمة 142 مليار دولار، وشراكات في الذكاء الاصطناعي والطاقة والرعاية الصحية—في إشارة إلى أن الولايات المتحدة لم تتخلَّ عن استمالة الرياض نحو التطبيع، لكنها تسعى إليه عبر مسار اقتصادي يتجاوز الضغط المباشر.

وفي نوفمبر 2025 أعلنت كازاخستان انضمامها إلى الاتفاقيات—وإن كان الانضمام رمزياً بحكم وجود علاقات دبلوماسية سابقة—بينما كشف المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أن إدارة ترامب تتوقع انضمام أربع إلى ست دول إضافية بنهاية الفترة الرئاسية.

 وفي مايو 2026، طرح ترامب في اتصال جماعي مع قادة السعودية والإمارات وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن والبحرين فكرة الانضمام الجماعي للاتفاقيات—وفق ما نقله موقع أكسيوس—إلا أن الاتصال انتهى بـ”صمت مطوّل مربك” من الرياض وإسلام آباد والدوحة حين طُرحت الفكرة عليهم.

رابعاً: الانعكاسات على القضية الفلسطينية: من التهميش إلى الانفجار

التهميش الاستراتيجي وإضعاف أوراق الضغط

أفضى التحول في الاتفاقيات إلى انعكاسات هيكلية عميقة على القضية الفلسطينية يمكن تحليلها عبر ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: انتفاء الحاجة الإسرائيلية للتسوية: حين بات الكيان الإسرائيلي تحصل على الاعتراف الإقليمي والشراكات الأمنية والأسواق دون تقديم أي تنازلات في الملف الفلسطيني، تلاشى الضغط الإقليمي الذي كان يُشكّل الحافز الرئيسي لأي مساومة سياسية. وهذا ما عبّرت عنه تقارير معهد كارنيغي للسلام الدولي بقولها إن غياب التزام موثوق نحو الدولة الفلسطينية يجعل أي تطبيع مهمة سيزيفية لا تنتهي.*

المستوى الثاني: تفتيت القضية إلى ملفات: حوّل التطبيع القضية الفلسطينية من قضية أمة موحدة وبوصلة السياسة العربية، إلى مجموعة ملفات إدارية منفصلة (ملف غزة، ملف الضفة الغربية، ملف الإعمار، ملف الأسرى). وهذا التفكيك يُضعف التفاوض لأنه يمنح الطرف الإسرائيلي مرونة الاختيار بين ما يقدّمه وما يرفضه.

المستوى الثالث: ضمور أوراق الضغط العربية: مع انخراط الدول المطبِّعة في علاقات أمنية وتكنولوجية مع الكيان الإسرائيلي، باتت تكلفة الضغط عليها عالية لتقويض مكتسباتها، وقد اكتفت هذه الدول بمستوى من التنديد اللفظي مع الحرص على ضمان استمرارية العلاقات العملياتية.

مفارقة: القضية تعود أقوى من خلال الانفجار

يكشف تحليل التطور من 2023 إلى 2026 عن مفارقة لافتة: إن محاولة تجاوز القضية الفلسطينية في مسارات التطبيع لم تُبعدها عن المشهد، بل أعادتها إلى المركز بصورة أشد حدة.

 فوفق تحليل مجلة Foreign Policy (مايو 2026)، كانت أحداث 7 أكتوبر 2023 جزئياً رد فعل على المسار نحو التطبيع السعودي-الإسرائيلي الذي كان يسير على قدم وساق—إذ أن هناك رأي يقول إن إغلاق هذا المسار قبل انتزاع مكتسبات فلسطينية حقيقية بات ضرورة وجودية.

والنتيجة: عادت القضية الفلسطينية لتتصدر شروط التطبيع من جديد، فالمملكة العربية السعودية اشترطت “مساراً لا رجعة فيه نحو الدولة”، وشرّطت قطر وباكستان رفضهما للانضمام الفوري إلى الاتفاقيات بالحسم في الملف الفلسطيني، وبذلك تحوّلت القضية الفلسطينية من “عائق يُراد تجاوزه” إلى “ثمن لا مناص من دفعه”—وإن ظل هذا الثمن مجهول القدر ومحل جدل حقيقي.

خامساً: الهندسة الأمنية الإقليمية: فرص البناء وأوجه الهشاشة

مكاسب الردع المشترك ومحدوديته

يحمل التحالف الأمني الناشئ في إطار الاتفاقيات جملة من المكاسب القابلة للقياس:

 تقليص التهديدات التقليدية من الميليشيات العابرة للحدود: أسهمت بروتوكولات الإنذار المبكر المشتركة في تحسين القدرة على رصد الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، وهو ما جرّبه التحالف عملياتياً في الاستجابة المشتركة للهجمات الإيرانية في إبريل 2024 وما تلاه.

فتح ممرات التكنولوجيا الدفاعية: وفّر التطبيع للإمارات والبحرين وصولاً إلى صناعات دفاعية إسرائيلية وأمريكية متقدمة، مع انعكاسات إيجابية على قطاعات كالأمن السيبراني وتقنيات الزراعة وتحلية المياه.

توفير قنوات تهدئة خلفية: في لحظات التوتر الإقليمي، أتاحت قنوات التواصل الأمني المباشر إمكانية التنسيق لاحتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى حروب مفتوحة.

بيد أن هذه المكاسب تواجه محددات بنيوية ثلاثة: أولها أن التعاون الأمني بين الكيان الإسرائيلي والدول الخليجية يظل مكشوف الظهر أمام التقلبات الشعبية الداخلية، وهو ما كشفه ارتفاع معدلات رفض التطبيع في استطلاعات الرأي من 54% عام 2022 إلى 89% في مطلع 2024 وفق أرقام المركز العربي للأبحاث.

وثانيها أن التبعية للمظلة الأمريكية تجعل المنظومة رهينة للتقلبات في الأولويات الاستراتيجية الأمريكية والمنافسة الصينية-الأمريكية المتصاعدة. وثالثها غياب الثقة البنيوية بين الأطراف الإقليمية أنفسها (التنافس الخليجي، الملف التركي، الوضع السوري غير المستقر).

هشاشة المشروع: الثقب الأسود السياسي

الإشكالية الوجودية التي تواجه مشروع الهندسة الأمنية الأمريكية في إطار الاتفاقيات الإبراهيمية يمكن صياغتها على النحو الآتي: إن أي منظومة أمنية إقليمية لا تحل المسألة الفلسطينية تظل بنياناً على أرض رخوة، لأن القضية الفلسطينية—بحكم مركزيتها الدينية والأيديولوجية والوجدانية في الوعي العربي والإسلامي—تمتلك القدرة على تفجير أي ترتيب إقليمي من الداخل حين تشتعل.

وقد أثبتت أحداث ما بعد أكتوبر 2023 صحة هذه الفرضية: فرغم عدم انسحاب أي دولة رسمياً من الاتفاقيات، تجمّدت مساعي التوسع كلياً، وانعكست الحرب سلباً على الشرعية الشعبية لحكومات المطبِّعين، وباتت الاتفاقيات—وفق تعبير معهد كارنيغي—”عرضة لمهمة سيزيفية” متجددة ما لم يقترن مسار التطبيع بمسار سياسي فلسطيني حقيقي.

سادساً: سيناريوهات المسار: استشراف آفاق 2026-2030

السيناريو الأول: توسع الاتفاقيات مع تجميد الملف الفلسطيني

يفترض هذا السيناريو نجاح إدارة ترامب في ضم دول إضافية كسوريا وليبيا وأذربيجان إلى الاتفاقيات دون أي تقدم في المسار الفلسطيني، وفيه ستتعمق الهندسة الأمنية الإقليمية وتنضج مؤسسياً، مع تكثّف أوجه التعاون العسكري-التكنولوجي بين الأطراف الجديدة. غير أن تبعات هذا السيناريو ستشمل غضباً شعبياً متصاعداً في الدول المنضمة، واستمرار الغضب الإقليمي، واحتمال تكرار دورات العنف من الفصائل الفلسطينية.

السيناريو الثاني: التطبيع المشروط بالمسار الفلسطيني

يقوم هذا السيناريو على احتمال انضمام المملكة العربية السعودية وفق شروطها المُعلنة، أي بعد انتزاع تعهدات إسرائيلية موثوقة بمسار نحو الدولة الفلسطينية، وهو الأكثر استدامة استراتيجياً، لكن أعقده تحقيقاً في ضوء الحكومة الإسرائيلية اليمينية والتردد الأمريكي في الضغط على الكيان الإسرائيلي، وتعزّز من احتمالية هذا السيناريو الحسابات السعودية الداخلية المتعلقة بالشرعية الدينية والتوازن بين التحديث وهوية الدولة.

السيناريو الثالث: الانهيار الجزئي وإعادة الحسابات

يفترض هذا السيناريو تجدد دورة مواجهة كبرى أو توسع غير منضبط للاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية يدفع دولاً مطبِّعة كالمغرب أو الإمارات—تحت الضغط الشعبي—إلى تعليق رسمي أو غير رسمي لبعض مستويات التعاون مع الكيان الإسرائيلي، وهو سيناريو لا يُرجَّح في المدى القريب في ضوء متانة الروابط الأمنية، لكنه يظل احتمالاً حقيقياً في حال تصاعد الانتهاكات إلى مستوى يتجاوز قدرة النخب على امتصاص الغضب الشعبي.

الاستنتاجات

تخلص هذه الورقة إلى جملة من الاستنتاجات التحليلية المدعومة بالشواهد:

1.  نجحت الولايات المتحدة في توظيف الاتفاقيات الإبراهيمية أداةً للهندسة الأمنية الإقليمية تجاوزت نطاقها التأسيسي بمراحل، محوِّلةً إياها من بنية دبلوماسية-اقتصادية إلى منظومة أمنية عملياتية متعددة الأطراف.

2. التطبيع “الوظيفي” لا “الشامل” هو الوصف الأدق للواقع: الدول المطبِّعة تُحكم التعاون الأمني مع الكيان الإسرائيلي بمعزل عن الحل السياسي للقضية الفلسطينية، وهو نموذج ينطوي على إمكانية قابلية الإنجاز في المدى القصير لكنه يفتقر إلى الاستدامة في المدى البعيد.

3. أثبتت القضية الفلسطينية قدرتها على العودة إلى مركز المشهد كلما جرت محاولة تجاوزها؛ وهو درس تاريخي يؤكد أن أي هندسة أمنية إقليمية لا تتضمن حلاً للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ستبقى معرّضة للانهيار أمام أي اختبار ميداني حقيقي.

4. التنافس الصيني-الأمريكي على النفوذ الإقليمي يُشكّل متغيراً محورياً غائباً عن الخطاب الرسمي الأمريكي المتعلق بالاتفاقيات؛ إذ إن توسيع منظومة الاتفاقيات ليس مجرد مساعي سلام، بل هو احتواء صريح للنفوذ الصيني والروسي في الإقليم.

التوصيات

1. العمل على إنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي وتشكيل “حكومة وفاق وطني” فاستمرار الانقسام يُلغي أي ورقة ضغط فلسطينية.

2. بناء “استراتيجية قانونية متكاملة” تستثمر رأي محكمة العدل الدولية في يوليو 2024 التي أعلنت عدم مشروعية الاحتلال الإسرائيلي لتجريد التطبيع من شرعيته القانونية، عبر: تحريك دعاوى أمام محاكم دولية، وتفعيل بروتوكول روما في ملفات الاستيطان، وحملة ممنهجة لدفع الدول المطبِّعة نحو الالتزام بالرأي الاستشاري.

3. بناء شبكة تواصل منهجية مع منظمات حقوق الإنسان والنقابات والأوساط الأكاديمية في الدول المطبِّعة، وتحويل الرفض الشعبي من مشاعر فردية إلى ضغط منظّم يُصعّب على الحكومات تعميق التطبيع دون تكلفة سياسية داخلية.

4. إصدار وثيقة مشتركة بين جميع الفصائل تُثبت بالأرقام والوقائع أن التطبيع دون حل سياسي يُنتج اللاستقرار لا الاستقرار، وأن دورات المواجهة تتصاعد لا تتراجع مع تجاهل الحقوق الفلسطينية.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يونيو 2026 — جميع الحقوق محفوظة


* عبارة اجتياز الروبيكوني هي مصطلح يعني أن يمر المرء بنقطة اللاعودة، ويأتي معناها من الإشارة إلى عبور يوليوس قيصر نهر روبيكوني في أوائل يناير 49 قبل الميلاد.

*   Iron Beam: هو نظام دفاع جوي إسرائيلي يعتمد على الليزر لاعتراض الصواريخ الصغيرة والطائرات المسيّرة بدل استخدام الصواريخ التقليدية. Rafael Advanced Defense Systems تطوره مع جهات أخرى.

Spectro: اسم يُستخدم عادة لأجهزة أو أنظمة استشعار/رصد وتحليل بصري أو إلكتروني، وغالبًا يشير إلى أنظمة كشف وتتبع (وقد يرتبط بأنظمة رصد عسكرية أو تقنية).

* مهمة سيزيفية: مأخوذة من أسطورة يونانية عن “سيزيف” الذي كان يدفع صخرة إلى أعلى الجبل، لكنها تسقط كل مرة فيعود ويكرر العمل بلا نهاية، وتعني في السياق أن عملية التطبيع تصبح مهمة صعبة جدًا، متكررة، ولا يمكن إنهاؤها أو تحقيقها بشكل كامل.

شارك:

المزيد من المقالات

العقوبات الأوروبية وإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني ..دراسة حالة: العقوبات الأوروبية على قيادات حركة حماس (2024–2026)

إلى أي مدى تنجح العقوبات الأوروبية في إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني، وما التداعيات المترتبة على ذلك على مستقبل الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي؟

فجوة الاستجابة الإغاثية في قطاع غزة: تداعيات تقليص خدمات المطبخ العالمي وتحديات استدامة “التكيات” المحلية

يُتوقع أن يُفضي غياب هذا الدور إلى فجوة إغاثية تضع أكثر من 1.6 مليون مواطن — نحو ثلاثة أرباع السكان — في مواجهة مباشرة مع مستويات كارثية من الجوع وانعدام الأمن الغذائي